الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

119

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

كل من المعنيين مستقلا من غير تبعية لاستعماله في مجموع الأمرين ولا لاستعماله في مفهوم كل منهما الشامل لهما نعم يتبعه صدق هذا المفهوم فالأمر هنا على عكس العام وهذه الصورة هي محل البحث في المقام وهو المراد من استعماله في كل من المعنيين فيكون الاستعمال المذكور بمنزلة استعمالين فهناك إرادتان مستقلتان من اللفظ يتعلق كل منهما بأحد المعنيين فاللفظ حينئذ مستعمل في معنيين مطابقين كما أن دلالته على كل منهما على سبيل المطابقة وأما في الصورة الأولى فقد أريد من اللفظ المعنيان معا ولم يرد خصوص كل منهما إلا بالتبع فلا يكون الموضوع له بكل من الوضعين إلا جزءا من المراد ومن البين أنه ليس هناك وضع ثالث بإزاء المعنيين ولا يلزم الوضع لهما من ذينك الوضعين فيكون الاستعمال فيهما مجازا قطعا سواء أخذ كل من المعنيين مناطا للحكم أولا وكذا الحال في الصّورة الثانية إلا أن الفرق بينهما أن كلا من المعنيين في الأول مندرج تحت المستعمل فيه اندراج الجزء تحت الكل وفي الثانية اندراج الخاص تحت العام الأصولي فلا يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له في شيء منهما ويتبع صحة استعماله فيهما وجود العلاقة المصححة حسبما عرفت وملاحظة كلماتهم في المقام تنادي بما قلناه ومما يوضح ذلك أن استعمال المشترك فيهما على نحو دلالته عليهما فكما أنه يدل على كل من المعنيين مستقلا من غير ملاحظة لغيره أصلا كذا يراد استعماله فيه على ذلك النحو ولا يتصور ذلك إلا على ما بيناه فهناك وحدة في الإرادة بالنسبة إلى كل من المعنيين إذ لا يراد بملاحظة كل وضع إلا معنى واحد إلا أن هناك انضماما بين الإرادتين فما يظهر من غير واحد من الأفاضل من كون محل النزاع من الصورة الثانية بين الفساد وقد نص بعضهم في بحث استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه في رد احتجاج القائل بالمنع بكون المجاز ملزوم القرينة المانعة المعاندة لإرادة الحقيقة فيلزم الجمع بين المتنافيين ما لفظه المعتبرة في المجاز نصب القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي في هذه الإرادة بدلا عن المعنى المجازي وأما لزوم كون القرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي بإرادة أخرى منضمة إلى إرادة المعنى المجازي فهو ممنوع بل هو عين النزاع وهذا كما ترى صريح فيما قلناه ومن البين أن محل النزاع في المقامين من قبيل واحد وإذ قد عرفت أن المناط في محل النزاع كون كل من المعنيين مما استعمل فيه اللفظ وأريد منه على سبيل الاستقلال من غير تبعية واندراج تحت كل أو عام فهو حينئذ يعم ما إذا كان كل من المعنيين مناطا للحكم ومتعلقا للإثبات والنفي أو كان الحكم متعلقا بالمعنيين معا وتوضيح المقام أن هنا استقلالا في الإرادة من اللفظ بأن يكون كل من المعنيين مرادا بإرادة مستقلة واستقلالا في تعلق الحكم وكونه مناطا للإثبات والنفي فالوجوه في المقام أربعة إذ قد يكون كل من المعنيين مستقلا في الإرادة مستقلا في تعلق الحكم وقد لا يكون مستقلا في تعلق الحكم وقد يكون كل منهما مستقلا في الأول دون الثاني وقد يكون بالعكس وقد لا يكون مستقلا في شيء منهما ويعرف الجميع من ملاحظة ما قدمناه والصورتان الأوليان محل النزاع في المقام بخلاف الأخيرتان فإن قلت إذا كان كل من المعنيين مستقلة في الإرادة من اللفظ فكيف يتصور كون الحكم منوطا بالمجموع لقضاء ذلك بكون الكل مرادا من حيث هو كل وهو خلف قلت لا منافاة أصلا إذ لا ملازمة بين إرادة كل من المعنيين بإرادة مستقلة وكون الحكم منوطا بهما معا إذ الاستقلال في الأول إنما يلاحظ بالنظر إلى الإرادة من اللفظ والثاني بالنسبة إلى تعلق الحكم والإسناد فقد يكون المعنيان مرادين استقلالا إلا أنهما يلاحظان معا من حيث وقوع الحكم عليهما ألا ترى أنك إذا قلت قتل زيد وعمرو بكرا فقد أردت من كل من اللفظين معناه بإرادة منفردة لكنك أسندت القتل إلى المجموع فكذا في المقام إذ المفروض وقوع الاستعمال الواحد مقام استعمالين حسبما ذكرناه فظهر بما فصلناه ما في كلام القوم من الإجمال في المقام وعدم توضيح المرام بما يرفع غشاوة الإبهام عما هو محل البحث والكلام وإنما اعتبروه في المقام من كون كل من المعنيين مناطا للحكم ومتعلقا للإثبات والنفي ليس في محله وكذا ما ذكروه من إناطة الحكم بالمعنيين معا في الوجه الرابع حيث جعلوه وجه الفرق بين الوجهين الأخيرين بل أكثر كلماتهم في تحرير محل النزاع لا يخلو ظاهره عن إيراد كما لا يخفى عن الناظر فيها بعد التأمل فيما قررناه وظهر أيضا مما قررناه أن استعمالات المشترك يرتقي إلى ثمانية ثم لا يذهب عليك أن ما ذكرناه في بيان محل النزاع إنما يتم بالنسبة إلى المفرد وأما في التثنية فلا يصح ذلك إلا إذا قرر النزاع فيها بإرادة الفردين من كل من المعنيين أو المعاني التي يراد بها من مفردها ليكون المراد بها الأربعة أو الستة وهكذا على النحو الذي قررناه والظاهر أنهم لم يجعلوا ذلك محلا للنزاع بالنسبة إليها بل اكتفوا فيها بمجرد إرادة المعنيين فيكون تعدد المعنيين بأنفسهما كافيا فيما يعتبر من التعدد في مدلولها أو يكون المراد بها الفردين ولو كان من معنيين مطابقين والثاني إنما يتم في غير الأعلام وكيف كان فليس الاستعمال هناك في معنيين مطابقين كما هو المفروض في المفرد لاعتبار الاثنينيّة في أصل وضع التثنية والمفروض انتفاء التعدد بالنسبة إليها وإنما اعتبر في معناه الأفرادي الذي هو جزء مدلولها فمرجع النزاع فيها إلى أنه هل يجوز بناء التثنية من معنيين مختلفين أو لا بد في بنائها من اتحاد المعنى وهي مسألة أدبية لا مدخل لها في استعمال المشترك في معنييه على النحو المذكور وقد يقال بأن في التثنية وضعين أحدهما بالنسبة إلى مفردها والآخر بالنسبة إلى علامة التثنية اللاحقة لها والاشتراك الحاصل فيها إنما هو بالنسبة إلى الأول وهو المقصود بالبحث في المقام وأما وضعها الآخر فهو خارج عن محل الكلام إذ لا اشتراك بالنسبة إليه نعم لو كان التعدد مأخوذا فيها بملاحظة وضع واحد قام الإشكال إلا أنه ليس الحال فيها على ذلك فالنزاع جار فيها على نحو المفرد من غير فرق ويشكل بأن كلا من الاثنين ملحوظ في التثنية على أنه بعض المراد فالتعدد المستفاد من وضع العلامة إن كان ملحوظا بالنسبة إلى نفس المعنيين فمع خروجه عن وضع تلك العلامة قطعا يخرج ذلك عن محل البحث لكون كل من المعنيين إذن بعضا من المراد وإن كان ملحوظا بالنسبة إلى الفردين فإن لوحظ ذلك بالنسبة إلى كل من المعنيين لزم ما قلناه أولا من كون المراد بها على القول بالجواز هو الأربعة أو الستة وهكذا والظاهر أنهم لا يقولون به كما هو ظاهر ما احتجوا له وإن لوحظ كل من ذينك الفردين بالنسبة إلى معنى غير ما لوحظ في الآخر ففيه أنه لا يمكن حينئذ إرادة كل من المعنيين على سبيل الاستقلال أيضا حسبما اعتبرناه في محل الخلاف إذ المفروض كون دلالتها على كل من الفردين على سبيل التضمن والمفروض أيضا ملاحظة كل من المعنيين في إرادة الفردين فيكون المعنيان مرادين على حسب إرادة الفردين ومع الغض عن ذلك كله